خلال العقدين الماضيين برزت في الولايات المتحدة الأميركية ظاهرة «السينما العابرة» في هوليود، وهي تعني عبور أفلام أميركية من حيزها الجغرافي والثقافي الخاص إلى فضاءات أوسع، فبتنا نشاهد فيلماً أميركياً يضم خلطةً من الممثلين الذين ينتمون إلى سينما غير هوليوودية، كما غرب وشرق أوروبا وصولاً إلى اليابان (طبعاً هناك إطلالات هامشية روسية وعربية وكورية جنوبية لا تخرج من إطار البروباغندا السياسية).
عاملان رئيسيان شجعا تلك الموجة من الأفلام: العامل الاقتصادي، إذ أن الفيلم الأميركي، في ظل نمو صناعات السينما في أسواق ضخمة كما الصين وأميركا اللاتينية، بات بحاجة إلى تدعيم ذاته بعناصر ثقافية تنتمي إلى تلك البلدان (مشاركة ممثل أو تصوير جزء من الفيلم)، تساعد على ترويجه في أكبر عدد ممكن من دور العرض وأيضاً بيعه إلى وسائط تلفزيونية ورقمية حديثة. السبب الثاني هو سياسي، فبعد أحداث سبتمبر 2001، ظهرت حاجة ملحة لدى صانع الفيلم الأميركي ومشاهده بأن يخرجا سوية من القوقعة التي تعودا عليها على مدى عقود سابقة، إلى مساحات أوسع، ضمن نظرية «فهم الآخر» وإعطائه فرصةً أكبر للتواجد في المدار الأميركي.
عربياً، تأخر ظهور هذه الموجة، وإن بدا أن المهرجانات العربية في برامج دعمها للأفلام باتت تركز على تلك «الخلطات المشتركة» كنوع من تأدية رسالتها في مد الجسور بين المبدعين في العالم العربي، ولتأمين أيضاً أكبر قدر من الرواج لمهمتها عبر تأمين قنوات تصريف متعددة لتلك الأفلام التي تستفيد من دعمها. أيضاً، لا يجب أن ننكر حماسة الجيل الشاب من المخرجين العرب، ممن درس أيضاً السينما في الخارج، لصناعة أفلام يجرب فيها قدرته على التنقل ضمن ثقافات ومساحات اختبارية تفتح له آفاق جديدة.
الموسم العربي الحالي تميز بفيلمين بالإمكان إدراجهما في تلك الخانة، وهما فيلم الإماراتي علي مصطفى «من ألف إلى باء» وأيضاً فيلم الفلسطينية نجوى نجار «عيون الحرامية». في الفيلمين نجد تكاتفاً لعناصر منوعة جاءت من بلدان عربية مختلفة.
ومع التقدير الذي لا يمكن إلا أن يفرض نفسه لنوايا الفيلمين في إنجاز تجارب عربية مشتركة تعيد الثقة إلى ما يجمعنا من المحيط إلى الخليج في زمن تضعضعت فيه هذه الثقة بفعل تعقيدات السياسة والأمن، إلا أنه، وبعيداً عن التقييم الوظائفي للفيلم، لا تصنع التجارب الناجحة دوماً في النوايا.
بوسعنا أن نستعرض الكثير من النقاط التي ظهرت هنا في التجربتين، ونكتفي بذكر خمس:
– رغم تشابهنا في اللغة والتاريخ، فإننا كعرب، مختلفون في أمور كثيرة أخرى، تبدأ بطريقة تفاعلنا مع النكتة ولا تتوقف عند شكل تصرفات النساء في مختلف المجتمعات وصولاً حتى إلى التعبيرات الجسدية عن الانفعالات. هنا، على سبيل المثال، ستواجه النجار تحدياً في توجيه ممثل مصري هو خالد أبو النجا (ينضج مع كل عمل ويحسب له حس المغامرة) لإبداء ردة فعل الرجل الفلسطيني مثلاً في موقف السخرية من الآخر لأنه «محكوم إلى امرأة». إن أبو النجا في مشهد مثيل سيستخدم طريقته المصرية التي تعتمد على أريحية انفعالات الوجه، الذي يندر أن نراه على ذللك التفاعل في قضايا مماثلة. في فيلم علي مصطفى، سنعرف تماماً أن المخرج وكاتب الفيلم وقعا في خطأ حين صورا لنا فتاة من المفترض أنها من الريف السوري تحضن شابين وهي تودعهما. هذا لا يحصل في «الرقة»!
– بعض الخلطات قد يوقع في فخ التكلف ونسج خيوط واهية من أجل تبرير تواجد شخصية جزائرية كما سعاد ماسي، المغنية، في فيلم فلسطيني. فمن المفترض أنها تلعب دور سيدة فلسطينية، إلا أن الرغبة باستخدام جماهيرية ماسي، وعدم إنكار «جزائريتها»، جعلها حين تغني بالجزائري تفصح بأن «جدتها علمتها هذه الأغنية»، من دون أن يتبين لنا ما الرابط المنطقي بين الجدة والثقافة الفلسطينية في أحداث القصة التي تدور في نابلس. أيضاً لا تنسى المخرجة أن تضرب على وتر «الكليشيه» التاريخي بالحديث عن «ثورة المليون ونصف شهيد» المقدسة، لكن ظهر استحضارها خارج السياق، فأتت باهتة ومتكلفة.
– اللهجة هي أكثر التحديات التي تواجه هذا النمط من الأفلام، وإجادة اللهجة السورية لدى أبو النجا في فيلم علي مصطفى حيث لعب دور شخصية الضابط السوري لم تكن محترفة، مع أنه بذل جهداً أفضل في فيلم نجوى في اللكنة الفلسطينية. السؤال هنا: لماذا لا يخضع الممثلون لدورات أكثر كثافةً من أجل اجادة اللهجة بشكل كامل دعماً للمصداقية. ومنذ سنتين، أصبت شخصياً بالدهشة حين اكتشفت أن الممثلة «الروسية» التي نالت جائزة اللؤلؤة السوداء في مهرجان «أبو ظبي السينمائي» عن دورها في فيلم «خيانة» هي ليست روسية وإنما ألمانية! وقد خضعت لدروس مكثفة لشهور طويلة لكي تتعلم، لا لهجة، وإنما لغةً كاملةً، وقد أدت دورها ببراعة جعلها تبهر الألمان قبل الروس.
– إن كتابة هذه النوعية من الأفلام لا يخرج عادةً من مطبخ الورش المشتركة، وهو ما يقلل من حظوظ عدم اقتراف هفوات أو خطايا. فالمنتج والكاتب المصري محمد حفظي كانت لتكون كتابته لفيلم علي مصطفى، برأيي، أكثر عمقاً لو كان تمهل في إعطاء الوقت الكافي لورشة كتابة تضم كتاباً من السعودية ومصر وسوريا والإمارات لرسم ملامح شخصياته المنوعة التي ظهرت في الفيلم. الاعتماد على الممثل ذاته لكي يشارك في هذه العملية هو خطأ يتم الوقوع فيه بدافع التعجل. فالممثل السعودي هو الذي ينبه إلى طريقة الشخصية السعودية في التصرف في مواقف محددة، وكذلك الأردني والمصري، وهو ما يضعف وظيفة الكاتب.
– هذه النوعية من الخلطات، إن لم تكن مبررة درامياً (في فيلم علي مصطفى هي مبررة أكثر من فيلم نجوى نجار)، فهي لا تخدم السينما بقدر ما تخدم لعبة التسويق والتوزيع والتنقل بين منصات المهرجانات وهو ما لا عيب فيه، لو تم التأني بتنفيذ هذه الأعمال بدقة أكبر.

