بروفايل: المخرج اللبناني جاد حسن

جاد حسن 1808265901 2737274333 (2)

يرد في قاعدة الأفلام العالمية «آي أم بي دي» تحت خانة تعريف المخرج اللبناني الشاب جاد داني علي حسن، كلمة «جريمة»، في وصف نوع فيلمه القصير الأول «ليلة بيضاء» وهو الوصف ذاته الذي ينطبق على فيلمه الثاني «مونيتا» الذي عرض في المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة في مهرجان «أبوظبي السينمائي» في دورته الماضية. قبل أن نخوض في العرض والتحليل، لنتفق على استخدام اسم جاد فقط فيما سيلي من النص، لدواعي الاختصار، لطول الاسم وطرافته في آن. مكمن الطرافة في أن اسم المخرج قد يجمع في ثناياه إيحاءات تردنا إلى أربع طوائف ومذاهب مختلفة في لبنان، وهو أمر غير مألوف في بلد يرتاح إلى تقصيه انتماءات الناس وخلفياتهم عبر أسماء ناسه!

أيضاً، من قبيل التوطئة، لا بد من الاشارة إلى أننا عرفنا جاد من قبل، كممثل هزلي في البرنامج الكوميدي الاجتماعي الناقد «شي أن أن» حين قام بدور المراسل الصحافي مجسداً «عورات» تلك المهنة الشاقة في بلد كما لبنان، والمعقدة والمشتبكة فيها أصول الجد بالهزل، والمسؤولية بالاستهتار، واللعب بالجريمة.

اللعب والجريمة كلمتان تصلحان أيضاً، برأيي، لتلخيص مضمون فيلم «مونيتا» الممتع، وربما أيضاً الخطة المستقبلية الكاملة للمخرج الشاب الذي يتحضر لتنفيذ فيلمه الروائي الأول.

عنوان الفيلم القصير هو اسم «سوبرماركت» يعمل فيها طارق وهو شاب ثمل باستمرار (الممثل جهاد مرحباً)، لا يتحكم بوعيه، وهو عاجز عن تذكر تصرفاته أو كلامه، حتى لو لم يمض عليهما أكثر من دقائق. لذلك نجده «مسلحاً» على الدوام بجهاز تسجيل، يقوم بتسجيل وقائع تحركاته أولاً بأول على شرائط الكاسيت الصغيرة، كأنه في بث حي مباشر يخبر آخرين عما يفعل وبماذا يفكر. شخصية مركبة، يندر أن ترسم على تلك البراعة في تجربة تكاد تكون الأولى رسمياً لصانع أفلام.

ثم نتعرف، ودوماً في إطار سينما «الـNoir» (أي السينما الداكنة التي تعطي المجال لاختبار تعقيدات النفس الانسانية في مواجهتها أوضاع متأزمة)، على صديق البطل وائل (البرت كنعان) الذي يحاول مساعدته لكي يتخلص من إدمانه على الكحول ويقوم بإنجاز «شيء مفيد في حياته».

تتطور الأحداث في لعبة حيوية من التذكر والنسيان، والخيانة والوفاء، والأمل والعجز، والقوة والضعف، يبرع المخرج في تجسيدها من خلال علاقة الشخصيتين الرئيسيتين بالأحداث عبر ما نسمعه من التسجيلات وعلاقتنا نحن كمشاهدين بالسرد عبر تلك اللعبة ذاتها. جو يخلق تشويقاً تزيد من متانته كادرات صورة ليلية لمدينة تسيطر على شوارعها الوحشة رغم أن الاطار الزمني للقصة هو زمن أيام الميلاد ورأس السنة. إنه رثاء مواز للمدينة، ربما لبيروت، التي غرقت في إدمانها على العجز حتى الضياع، رغم تجدد الأمل بأن «الغد سيكون أفضل»!

الغد عند جاد ليس بالضرورة أفضل، فبطل فيلمه سرعان ما سيقترف جريمة قتل لكي يتمكن من استعادة اتزانه «كنت أحتاج إلى هذا الانفجار.. إلى هذا الدمار لكي أتمكن من استعادة الأمان والسلام»، يقول البطل المدمن في أحد مشاهد الفيلم، بعد أن يقوم بقتل أقرب الناس إليه وهو الصديق. مجاز آخر بوسعنا بسهولة  أن نسحبه على بيروت.

تقنيا، نحن إزاء أداء تمثيلي نادر في السينما اللبنانية الملامة غالباً على أسلوب أداء ممثليها المتكلف. وهو ما نشهد نقيضه لدى جهاد مرحباً الذي لعب الدور بسلاسة مستخدماً كثيراً تقنيات التعبير بالعينين أو طبقة الصوت، ولا يقل عنه جودة الممثل ألبرت كنعان.

فضاءات الأمكنة وفراغاتها الموحشة تمكنت كاميرا كريم غريّب من رسمها بدقة، من دون أن ننسى حرفية التعاطي إخراجياً مع مشهد القتل بحرفية هيتشكوكية، ومن دون أن نغفل جهود متكاملة (عمل ملفت لمصمم الصوت شادي أبي شقرا) أسهمت بصناعة فيلم، إن استمر صاحبه على سكته ذاتها، مع عوامل التطور والنضج المنطقية، فنحن خلال السنوات المقبلة سنكون أمام ظاهرة سينمائية لبنانية تساوي الكثير.

ربما يعادل مخرج «مونيتا» في أسلوبه وجودة طرحه وتكثيف لغته وخطته الطموحة جهود أربع مخرجين تجسدوا في مخرج واحد. هل نسينا أنه، في الآن ذاته، جاد وأنه داني وأنه علي وأنه حسن؟

فكرة واحدة على ”بروفايل: المخرج اللبناني جاد حسن

أضف تعليق