تماما كما الدلافين، حالمة وطفولية وتبحث عن الحنان، عمن يمسد على جباهها لكي تقفز الى الأعلى، تبدو شخصيات وليد الشحي وأحمد سالمين في الفيلم الاماراتي الذي يحمل توقيعهما مخرجا وكاتبا “دلافين”.
الام
الأم والأب منفصلان: هي( الممثلة ريم ارحمة) في عالمها، تبحث عن رجل يهبها السعادة ويحميها بحبب فتتخفف أمامه وتعبر عن اهوائها من دون مواجهة تعقيدات سطوة ذكورة المجتمع، الذي يعادي امرأة تزوجت وتطلقت أكثر من مرة، ويعتبر مشاعرها الدفيئة والحنونة نزقا يتوجب محاصرته:” أشعر بفرح كبير حين التقط لحظة اضاءة لمبات أعمدة الانارة في الشارع، اشعر أنني أنا من أضأتها”.
الأب
هو(الممثل خالد أمين)، في عالمه، عند مدخل المستشفى، حيث يعمل منذ عشرين سنة سائق سيارة اسعاف، يصادف حكايات الموت كل يوم، ويخاف أن يفقد وظيفته، بسبب “التطور”، ويعجز عن احتضان طفله سعود(أحمد الجرن). لا يقوى الاب غير أن يمنح طفله قليلا من الدراهم ويعظه بألا يستخدم الدراجة النارية أثناء التنقل، وأن يعود الى البيت، ولا يتردد على بيت الأم التي طردته:” تريدون تقطعوا بلحمي متل السكاكين.. اخرج من بيتي”، تقول في نوبة اسى.
ليس الأب قاسي القلب، لكنه مشتت، وخائف، وهو عند أول فرصة تتيح له التعويض عن ذلك النقص العاطفي، سيرمي نفسه تحت تصرف رجل(مرعي الحليان) صادفه في المستشفى، يريد أن يدفن أمه في مكان بعيد خلف الجبال العارية. سيمنحه هذه الفرصة ليضيعا سويا في صحراء الطبيعة والنفس:” إن مت أنا لا تدفنوني.. بشوف من يبكي عليّ.. من تفجعو غمضة عيوني”، ينشد الرجل شعره ويدور في عيني رفيقي الرحلة حزن الكون كله.
الصديقان
هلال (ابراهيم المنصوري)، هو الوجه الآخر لسعود. صديقه ذو الاعاقة الجسدية لكنه يتمتع برشاقة روحية تجعلهما مرتبطان بصداقة وثيقة رغم هيمنة طرف على الآخر. في علاقة المراهقين، خليط بين الأخوة والندية، اللعب والغيرة، الاخوة والابتزاز. يعوّض سعود عن غياب العائلة بأن يخلق عالمه المتخيل الذي يزج فيه هلال واهما اياه بخرافات وخيالات:” لو كان لدينا دوربين (منظار) لتمكنا من رؤية أمور ساحرة.. مثل الدلافين”. يصدقه هلال، ويقبل بالتورط معه في الابحار على متن قارب مصنع يدويا، شراعه هو عبارة عن قماش من لباس الأم التي رمى سعود فساتينها غاضبا على شاطئ البحر. الأم، خيال المآتة، التعويذة، التي ستجفل وحش البحر المخيف، وتحمي “القارب” حتى النهاية. وكما يتوه الرجلان في قلب الصحراء، ولا يصلان الى وجهتهما، ليدفنا أحزانهما، كذلك يتوه المراهقان في عرض البحر، لكي يختتم المخرج فيلمه على مشهد الأم تائهة هي الأخرى، على الشاطئ، تبحث عن وليدها.
المدينة الباردة
ثمة في صورة الشحي، الآتي من عالم الأفلام القصيرة، الكثير من الأبعاد الوجودية- النفسية التي ترسم تقاطعات بين عناصر الطبيعية وتركيبات البشر. فضاءات المدينة خاوية، لا تشبه تلك التي نراها في الاعلانات الترويجية للمعجزة الاقتصادية، وجافة، تماما كالمشاعر التي تلقيها في نفس المشاهد صور أنابيب ضخمة مهجورة على الشاطئ أو باحات المستشفى الباردة او مجسمات المانيكان القاسية في المراكز التجارية.
لكن البحر، على النقيض، سماؤه مفتوحة، لكل التائهين والحائرين. يعود الشحي، ومعه سالمين، الى أصول الحضارة في البيئة الخليجية، غير المفصولة عن قصص البحر.
ايقاع السرد، في قصة تدور احداثها خلال 24 ساعة من حياة الشخصيات، كان رشيقا ومنسجما مع تشكيل الصورة الكاملة، بينما برع المخرج في حض ممثليه (غالبيتهم من ذوي التجارب المسرحية المرموقة في الامارات) على استخدام لغة التعبير عبر العيون والوجه من أجل عكس أبعاد الشخصيات وما يعتمل في دواخلها من مشاعر صاخبة، فجاء أداء الحليان، كعادته، ممسكا بروح الشخصية في عمقها، ولم يشذ أداء أمين عن هذه القاعدة، لكن المفاجأة الحقيقية تتمثل في التمكن الأدائي السلس لدى الشابين الجرن والمنصوري.
عناصر توهجت في عمل يبدو أن صناعه قد عملوا عليه بشغف كبير، كفيل بأن يجعل “الدلافين تحلق”!


