رسائل “مهرجان الجزائر الدولي للفيلم” (الدورة 12- 2025)

طاهر حناش اول مقاوم ضد استعمار فرنسا للأفلام!

سبق “مدرسة السينما” بسنوات ويعرض “مهرجان الجزائر الدولي للفيلم” فيلمه “غطاسو الصحراء” بمصاحبة اوركسترا وطنية في ليلة الافتتاح

ابراهيم توتونجي- سينما غازيت

لا يعرف كثر من عشاق السينما الجزائرية، والأفلام التي تنتمي الى منطقة شمال أفريقيا، والعالم العربي، بشكل عام، أن أول فيلم جزائري روائي (كما تشير سجلات المحفوظات الى اليوم) تناول في بداية خمسينيات القرن الماضي، وقبل تحرر الجزائر من نير الاستعمار الفرنسي بسنين قليلة، مسألة العدالة الاجتماعية وحقوق وحياة فئات العمال البسطاء، وكان من الناحية الفنية متفردا، اذ سجل بالكامل من دون حوار، ما سمح للمشاهد فرصة أكبر للغوص في فضاءات المكان ودواخل الشخصيات. بعد 73 عاما من انتاجه، يقدم “مهرجان الجزائر الدولي للفيلم” في دورته الـ 12 هذا الاسبوع، هدية قيمة للجمهور، بعرض هذه التحفة النادرة، على الاقل من ناحية القيمة التوثيقية والفنية والسياسية، أمام الجزائريين وزوار المهرجان وضيوفه من كل دول العالم، وتحديدا في ليلة الافتتاح، مصحوبا بعزف موسيقي اوركسترالي وطني من البلاد.

الفيلم هو “غطاسو الصحراء” للمخرج الجزائري طاهر حناش ( 1898- 1956) الذي يعطينا البيان الصحافي الصادر قبل أيام عن المهرجان نبذة مهنية عنه، كما فيلمه. يرد فيه: ” ولد في في قسنطينة واكتشف شغفه بالسينما منذ صغره، بعد تعلم مختلف مهن السينما في فرنسا ومشاركته في نحو 60 فيلما، أسس شركته الخاصة “طه فيلمز” عام 1938 كسابقة جزائرية في الحقبة الاستعمارية، عاد بعد الحرب إلى الجزائر وأخرج أول لقطات جوية لقسنطينة، ثم أنتج فيلمه هذا”.

تحفة سينمائية وطنية

في تلك المرحلة اعتبر قيام جزائري بالدخول الى  ملعب السينما نوعا من انوع المقاومة ضد المستعمر الذي احتكر صناعة السينما، وحولها الى أداة بروباغندا لخدمة سياساته الاستيطانية وقمع أهالي الجزائر وتجريدهم من حقوقهم ونهب موارد الاقتصاد، الى درجة أن فرنسا فككت الستوديو الأكبر للانتاج وأخذه جنودها معهم بعد رحيلهم عن ارض البلاد.

ويشير البيان الى أن “الفيلم هو تحفة سينمائية رمزية في تاريخ السينما الجزائرية، ُصور بلا حوارات في طولقة ببسكرة وأنتج بالكامل على يد جزائريين، ويروي قصة الشيخ علي وابنه منصور، غطاسي الصحراء الذين ينقذون واحة الصحراء من الجفاف، مع مرور الوقت، تحل الآلات الحديثة محل مهنتهم، ويختفي عمل الغطاسين التقليدي. يجسد الفيلم ببساطته وعمقه الرمزي، شهادة على الابداع السينمائي الجزائري ومواجهة الاستعمار، وتكريم لجيل الرواد الذين صاغوا هوية بصرية جزائرية تنبض بالانسانية”.

ويشير الكاتب الجزائري عبد الكريم القادري في مقال حديث أن  حناش نفسه كان قد اكد ريادته في السينما الجزائرية، قبل فيلم “غطاسو الصحراء” بكثير، حيث أنه اخرج فيلما بعنوان ” على ابواب الصحراء” (1938)، “انتقد فيه المستعمر الفرنسي” أيضا، وكان من إنتاج شركته الخاصة التي أسسها، وقد كلف شركة فرنسية بتوزيعه في قاعات السينما، لكن من سوء حظ حناش أن تقصف الشركة يوم 03 مارس/آذار 1942 من قبل الطائرات النازية، وتتلف من خلال هذا القصف نسخة الفيلم ليتبخر حلمه الذي عمل على تحقيقه سنوات عمره”.

ريادة قبل البداية

وسبق انتاج “غطاسو الصحراء” بسنوات ما عرف بالنهضة الجزائرية الوطنية السينمائية، التي تجسدت باقدام جزائريين او “متجزئرين” أخلاقيا (ان جاز التعبير) على الامساك بزمام الامور بعد التحرير والاسراع بانتاج افلام، يعتبر بعضها اليوم علامات هامة في دراسة تاريخ السينما وارتباطه بتاريخ الجزائر، ابتداء من منتصف الخمسينات.

بمجرد اندلاع حرب التحرير،عمد زعماء “جبهة التحرير الوطني” يمثلهم القائد التاريخي عبان رمضان إلى تأسيس أولى مدارس السينما سنة 1957 والتي كانت تحت اسم “مدرسة السينما” تحت إشراف المناضل الفرنسي في صفوف الجبهة Vantier René  في الجبال بالولاية الاولى المنطقة الخامسة،هدفت الى التصدي للآلة الدعائية الفرنسية، وايصال صوت ومعاناة الجزائريين في الداخل الى الرأي العام والمؤسسات الدولية.

المترددون على السينما كانوا اربعة او خمسة جنود، استشهد أغلبهم في ساحة الشرف. أحدهم عبد الحميد مقداد مات في حادثة غداة الاستقلال. في تلك الفترة، أنتجت حصصا للتلفزيون ايضا وزعت على شبكات تلفزيون البلدان الاشتراكية ومن بينها: حصة حول المدرسة نفسها، حصة حول ممرضات جيش التحرير الوطني، صور ومناظر عن مهاجمة مناجم الونزة. وعملت المدرسة لمدة 4 أشهر.

ورغم قلة الامكانيات و نقص الخبرة و الكوادر المؤهلة، الا أن هذه المدرسة استطاعت بفضل أعضائها وأغلبهم مناضلون في صفوف جبهة التحرير الوطني أن تنتج عددا من الأفلام الوثائقية القصيرة التي تصور معاناة الجزائريين ، وقد ركزت أعمال هؤلاء السينمائيين الجنود على تكوين أرشيف إعلامي عن الثوار و معاركهم وتحركاتهم في الجبال، ساعدهم في ذلك الديكور الطبيعي الذي كان تتصورفيها الأحداث كالجبال وأحياء القصبة، وهي الديكورات الخلابة نفسها التي تسعى كبريات شركات الانتاج  السينمائي في العالم إلى توظيفها ، فكان الانتاج حينها متنوعا و معبرا عن الوقائع بواقعية، و من بين الأفلام التي تم إخراجها بالتعاون أو من طرف مصلحة السينما التابعة للحكومة الجزائرية المؤقتة آنذاك ، نجد “اللاجئون” (1957)، “الجزائر الملتهبة” (1958)، “ساقية سيدي يوسف” (1958) “جزائرنا”..

قبل “المدرسة” والجهد الكبير لروادها، الذي يظنه البعض بداية حقيقية للسينما الجزائرية خارج اطار افلام البروباغندا الفرنسية، كان فيلم طاهر حناش، سيكون عرضه خلال ليلة 4 ديسمبر، الافتتاحية للمهرجان، مرفقا بعرض سينمائي موسيقي مباشر بقيادة المايسترو “خليل بابا أحمد” وفرقته الموسيقية

أضف تعليق