ملف “سينما المفقودين” في لبنان 3
تغدو عودة مخطوف بعد 20 سنة الى أسرته، محملا بأعباء نفسية وعاطفية، كصدمة مزدوجة يتم تفجيرها في صالون البيت

بيروت- سينما غازيت
في هذه الحلقة نستعرض تجربة المخرج اللبناني بهيج حجيج (1948-) في فيلمه “شتي يا دني” (روائي، 100 دقيقة) ضمن سلسلة
اختياراتنا لأفلام روائية وتسجيلية لبنانية تناولت قضية المغيبين والمغيبات قسرا.

غالبا ما يوصف حجيج بأنه المخرج الذي جسّد تحولات بيروت بمختلف أطوارها في أفلام تنوعت بين الوثائقي والتخيلي:” لا يمكن أن نمحي الذاكرة بممحاة. السينما وسيلة ضد النسيان”، يقول. ويجسد ذلك بشكل ثري في أفلام مثل “بيروت حوار الأطلال” (1993) و”زنار النار” (2004) و”غود مورنيغ” (2018)، لفّت مهرجانات العالم من بروكسيل الى الرباط، ووهران الى مالمو، متوجة بالجوائز، كما في حالة “شتي يا دني”، الذي عدّ بمثابة عودة ناضجة للمخرج، لموضوع سبق وتناوله، في وثائقي مبكر هو “المخطوفون”(1989). يحاول الفيلم الروائي، هذه المرة، تخيل الاجابة عن السؤال المعلق بطرح سؤال آخر: وماذا لو عاد؟ كيف يكون؟ ما الذي سيحصل؟
هكذا تغدو عودة مخطوف (قام بدوره الممثل حسّان مراد) بعد 20 سنة الى أسرته، محملا بأعباء نفسية وعاطفية، كصدمة مزدوجة يتم تفجيرها في صالون
البيت: صدمة الغياب وصدمة العودة.

الغياب والذاكرة
“هو فيلم مختلف عن الذاكرة والغياب والعودة المستحيلة” تقول ممثلة الفيلم جوليا قصار معربة عن سعادتها بتمثيلها في فيلمين لحجيج استندا ” الى نصوص الروائي الذي اعشق كتاباته رشيد الضعيف”، فيما يدلل مراد، في حوار سابق مع كاتب هذه المقالة، على حجم المجهود النفسي والبدني الذي بذله للعب شخصية العائد:” نوبات الرهاب الشديد كان تجسيدها الاكثر ارهاقا بالنسبة لي، مثل ذلك المشهد الذي يركض فيه رامز خائفا في الشارع، ثم يلتجيء الى مدخل مبنى، ويصادف وجود زوجة أخرى لمخطوف آخر، تسكن في الشقة. هذا الهروب يخلق سؤلا لدى المشاهد، فرامز يبدو كما لو أنه يعرف وجهته، مع أننا لا نشاهد ذلك في الفيلم من قبل، وكأن لا وعيه، أو وعيه، يقوده الى تلك المرأة. هذه لعبة مؤثرة، وقد استلزم المشهد مني حضورا نفسيا كبيرا”.
ما بعد الصدمة
يعاني العائد من “اضطراب ما بعد الصدمة” الذي يصيب ضحايا الاختفاء القسري والتعذيب ويتجلى بنوبات من الصمت والانفصال عن الواقع وصعوبة التكيف مع الحياة اليومية، كما يعبر عن “انكسار الهوية”، اذ تتجمد هويته الشخصية عند لحظة الاعتقال، فيشعر بعد العودة بالاغتراب عن ذاته، حتى وهو في بيته. هو اذا بمثابة “زومبي نفسي”، وجوده نصف حي، جسده حاضر وروحه معلقة في مكان آخر. فيما تترنح الزوجة، بالمقابل، بين “الحزن الغامض” الذي تولد عن منطقة رمادية بين لايقين بالموت ولا يقين بالحياة علقت فيها لسنوات، وبين “عقدة الذنب” لشعورها بأنها عاشت حياة كاملة من دونه، تخللتها رعاية أطفال، اي استمرار تدفق الطاقة. اضافة الى مشاعر “الخذلان بعد العودة”، اذ هي التي لطالما انتظرت عودة “البطل- الحبيب” ليمنحها الأمان العاطفي، فوجئت برجل محطم:” هنا تتحقق صدمة الأمل، عندما يتحقق حلم العودة، لكنه لا يشفي الجرح الغائر”.
ولّد الفيلم، لدى عرضه، مشاعر مربكة لدى فئة من جمهور المشاهدين، ومن بينهم الأمهات، اذ أنه، بخلاف المشتهى من سينما تصنع الأمل، لم يقدم “نهاية مريحة”، وواجههن بصورتهن في مرآة خطت فوقها عبارة “الماضي قد لا يدفن بسهولة”، مع سؤال مؤرق:” هل الأفضل أن يعود الغائب محطما، أم يبقى الغياب غامضا، ونضرا ذي رهبة قدسية يستمدها من ذلك الغموض؟”. وظهر المطر في عنوان الفيلم وفي جوهر فكرته، اذ هو، رغم كونه رمزا للتطهير والتجديد، “يغسل هنا ولا يمحو”!
طرح حجيج والضعيف سؤالهما الجدلي والحساس الذي ستتردد اصداؤه لسنين طويلة، تلت انتاج الفيلم، لكنه لن ينجح في السيطرة تماما على المناخ السينمائي للأفلام التالية التي تعرضت لقضية المفقودين.
