قضية مفقودي لبنان: قمع واهمال!

ملف “سينما المفقودين” 6

سينما غازيت- بيروت

تركت آلاف الأمهات في مأزق المواجهة مع سلطة خبيثة تمثلت أساليبها بثلاث: طمس أثر الجريمة والتخلي عن مسؤوليتها والدفاع عن مصالح النظام الأسدي

بعد 36 عاما من المجابهة مع السلطة، تمكن المثابرون على الحضور الى الخيمة، ومعظمهم من النساء، بغالبية صفة الأمهات، من انتزاع قانون من البرلمان كرّس حق الأسر في معرفة مصير المفقودين، من دون التشعب الى احالات أخرى مثل المسؤوليات الجنائية والمحاسبة. وعلى إثره، تشكلت هيئة وطنية مهمتها الوحيدة تقصي أثر المفقودين وتحديد مصيرهم. ومع استحقاق ذلك المنجز، لم تتوقف سياسة التواطؤ التي انتهجتها السلطات المتعاقبة، منذ قانون العفو الصادر بعد “انتهاء” الحرب، والذي أنصف المجرمين ولم ينصف الضحايا، والتي تجسدت من خلال الإهمال والتهميش، لتستمر عبر القمع ومحاولات إغلاق الملف، من خلال لجان فاشلة.

ساهم ثلاث رؤساء حكومات لبنانية، بطرق مباشرة أو بقوة المسؤولية المرتبطة بمنصبهم، بذلك القمع، عبر سياسة اللجان الخشبية المجعجة من دون أدنى “طحين”، وهم على التوالي الرؤساء الأسابق: سليم الحص(عام 2000)، رفيق الحريري (2001) ونجيب ميقاتي (2005)!

اجماع التخلي

يسّر الحص لجنة كشفت عن مقابر ومراقد فردية وجماعية في البر والبحر، ورغم ذلك طالبت باقفال الملف و”توفية” المغيبين، مع التشديد على انكار وجود معتقلين في سجون الأسد السورية. لم تمض خمسة شهور على التقرير الملفّق حتى خرج 54 معتقلا لبنانيا من زنازين دمشق، عدوا سابقا من بين المفقودين قسرا، شاهرين قوة الكذبة في وجه المتواطئين.

بعد ذلك بعام واحد، وجّه الحريري  بتكوين لجنة متابعة جديدة، بدت للوهلة الأولى بأنها تتمتع بكل العناصر، باستثناء العنصر الأهم: أهالي المفقودين أنفسهم!

ولم يشذّ ميقاتي، الأشد وفاء للمصالح السورية، عن نهج سابقيه، اذ وجّه بوصلة الاهتمام اتجاه مقابر جماعية حوت رفاة عسكريين، “بعضها في محيط وزارة اللبنانية”، كما ادعى متابعته الواثقة لمسألة المعتقلين في السجون السورية، من دون أن تثمر “جهوده” عن اية نتيجة فعلية ومفيدة.

لغو الدم ولغو القانون

تركت آلاف الأمهات في مأزق المواجهة مع سلطة خبيثة تمثلت أساليبها بثلاث: طمس أثر الجريمة عبر التهويل بأن “نكىء المقابر” (والجراح) من شأنه أن يقوّض “السلم الأهلي”، والتخلي عن مسؤوليتها في بناء عقد اجتماعي متين، وأيضا الاستماتة في الدفاع عن مصالح النظام الأسدي أثناء حكم الوصاية الأمنية السورية على لبنان، ثم مشاركته في الحرب القاتلة ضد شعبه في سني الثورة السورية، تلبية لتوجيهات نظام الملالي.

نماذج من المآسي

وقيل لأم أقفلت باب بيتها 20 عاما رافضة الخروج من المنزل، بانتظار عودة ابنها المخطوف، أن حرقة روحها تتصل بمصالح معلّقة على شجرة في طهران. وتركت أخرى في منتصف عقدها الثمانين لارتحال كسير لا ينتهي على امتداد الخرائط اللبنانية والسورية حتى ماتت ودفنت مع حسرتها. وأوهمت حليمة أن ابنها رشيد، ابن السنوات الخمسة عشرة، الذي طلب منها قبل مغادرته البيت أن تعد له طبخة الدجاج والبطاطا، ولم يعد، قد تشكل عودته الى مطبخها انهيارا للسلم الهش.

وأهملت كل الاخبارات التي قدمتها حليمة للدولة عن هوية المجرم الذي خطف ابنها وعنوانه ومواصفاته، والتي تعرفه جيدا من دون أن تكون قادرة على محاسبته، بينما سخر الطغاة من رغبة نهاد الجردي بتعليق صور ابنها على كل جدران طرقات جبل لبنان “حتى ما ينسوه بعد ما موت”، وقد تجاوز انتظارها 40 سنة. ولم تعش أخريات لترين اي تقدما، اذ انتحرت نايفة نجار مبكرا، و”كفنت” بآلاف الاوراق من نسخ الجريدة التي نشرت فيها، طوال 9 شهور، بلا دون جدوى، رسائل للخاطف ترجوه أن يعيد لها ابنها ذي الـ 13 عاما.

أوديت المغدورة

وفي قصة أخرى، تتضاعف فيها القسوة التي قد تستعصي في مرات على مخيلة صناع الافلام، دهست سيارة متهوّرة أوديت سالم، وأم لفقيدين، بينما كانت واقفة أمام “خيمة جبران” التي عدت بمثابة حارسة لها، واذ وطوال سنين، لم تفارقها تقريبا، وكانت تقضي 6 أيام من كل أسبوع بداخلها. ماتت أوديت، تحت عجلات الاهمال، وهي بعمر السبعين، بعدما قضى الاهمال ذاته على حقها بحياة كريمة تتحقق قيها العدالة. ولكي تؤكد تلك السلطة من صفة اهمالها لمعاناة الأمهات، اظهرت لهن في الوقت ذاته، تعاطيا أكثر مسؤولية وكفاءة مع ملفات المختطفين الأوروبين أثناء الحرب. هكذا نعمت أسرة الكاتب الفرنسي ميشال سورا بالحصول على رفاته في 2006 ونقلها من تحت ورشة بناء في بيروت الى باريس، وفتحت بعد ثلاث سنوات مقبرة جماعية لاستخراج رفات صحافي وموظف أممي بريطاني ونقلها لذويه وإعادة اققال المقبرة على الفور!

تمييز ممنهج

واجهت الامهات وقاحة التمييز تلك، والاهمال المتعمد والممنهج بالصبر والنضال السلمي. ودفعن، بعد حفلة “لغو الدماء” التي نالت من عوائلهن خلال الحرب وفي معتقلات التعذيب المجهولة، الى حفلة طويلة ومستمرة، تطلق عليها سمر كنفاني، الأنثروبولوجية اللبنانية، “لغو القانون”. تشرح في بحثها “تأملات في تنقيب المحو” (2020):” منذ ذلك الحين، دُفِنَ، وبشكلٍ رسمي، مصير كلّ مَن اختُطِفَ واعتُقِلَ وغُيِّبَ قسرًا، بينما أصبح الوضع القانونيّ والشخصيّ لأقاربهم الذين يعتمدون عليهم، وخصوصًا الآباء الذين ترْأس أسماؤهم السجلّ العائليّ اللبناني بموجب قانون الأحوال الشخصيّة، معلّقًا في حالة انتقاليّة دائمة. جرّاء ذلك، تصبح كلّ الإجراءات البيروقراطية، من الأكثر بساطة (تسجيل خطّ هاتف جديد) إلى الأكثر أهميّة (الميراث) مستحيلة. بالتالي، يمكن القول إنّ هذه واحدة من أسوأ تبعات الحرب الأهليّة وأكثرها إجحافًا، إذ أَسَرَت عائلات المفقودين في لغوٍ قانونيّ متواصل وفي انتظارٍ أبديّ”.

أضف تعليق