ملف “سينما المفقودين” 5
بيروت- سينما غازيت
كيف تضمر أرحام الذاكرة في طور التلاشي، طالما أجراس أجنتها تدوّي كصرخات هائمة وجائعة تنتظر الخلاص: الحقيقة؟
لا يصل عدد الأفلام التي قدمتها السينما اللبنانية على امتداد نصف قرن من الزمن، وتتعرض بشكل مباشر لقضية مفقودات ومفقودي الحرب الاهلية اللبنانية (1975-1990)، الى العدد الكامل لأصابع اليدين.
في المقابل، فإن خيمة انتظار طويل، يتكسر فيها حزن متجمد ببطء كما في الأقاصي الأكثر برودة للنفس البشرية، نصّبتها أمهات ملتاعات وسط حديقة في وسط بيروت، حملت اسم الشاعر والفيلسوف الذي دافع عن المحبة “جبران خليل جبران”، صدّرت، على مدى سنين طوال، دفقا هائلا من أقسى صور الألم التي تخلفها الحروب الكارثية: قتل الأمهات ببطء عبر حجب معلومات تفيدهن للوصول الى مصير أبنائهن وبناتهن وأقاربهن من المغيبين قسرا، ومحاصرتهن من قبل السلطات (وهي ذاتها للمفارقة التي كانت ضالعة بعمليات القتل والتهجير والخطف طوال الحرب) بالإهمال والتضييق والوصم، تارة، أو، تارة أخرى، بهندسة لجان وسياقات وأطر متابعة، هشة واستعراضية ومفرّغة، تفتقر الى آليات تنفيذية ونوايا جدّية، ليس هدفها الا المماطلة أو الرهان على “ضجر” و”استسلام” الأمهات.. “وربما انقراضهن مع الوقت”!
سؤال صعب
ولكن كيف تضمر أرحام الذاكرة في طور التلاشي، طالما أجراس أجنتها تدوّي كصرخات هائمة وجائعة تنتظر الخلاص: الحقيقة؟
سيطر هذا السؤال، المترنّح بين ضفاف الذاكرة والكرامة والمصالحة من جهة، وبين ضرورة المضيّ قدما، بحمل الإنكار وأسى تشرذم الهوية الذاتية والجماعية وخطيئة النسيان وبدعة “عفا الله عما مضى”، من جهة أخرى، على عقول مخرجين ومخرجات من أمثال بهيج حجيج، وجوانا حاجي توما وخليل جريج، وإليان الراهب، كما مؤدّيات من أمثال الممثلة جوليا قصار ومصورات فوتوغرافيات مثل داليا خميسي.. وآخرين، ممن خصصوا جزءا من أيامهم وطاقاتهم الابداعية، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، لنقل مأساة 17000 مفقودة ومفقود، على أيدي ميليشات مسيحية يمينية وأخرى فلسطينية و”وطنية”، وجهات سورية أسدية، وإسرائيلية، الى صالات السينما والمعارض الفنية.
استلهم هؤلاء، والذين تحدثت اليهم “سينما غازيت” شجاعة البوح والتحدي والمواجهة من نضالات أمهات أسسن، في عزّ الحرب (بينما كانت الاشجار تحترق والمباني تتكور والأعناق تنحر والاصابع تقطع) اطارا تنظيميا تشاركيا للتحذير من استمرار سياسة الخطف والمطالبة باستعادة المفقودينز ثم بعد ذلك قمن بنصب مظلة- رحم في قلب ذاكرة المدينة التي أكلها أبناؤها و”طقطقوا” عظامها وأخفوها تحت تراب العبث والجنون، لتصبح “خيمة جبران”، بمرور الوقت، مرآة ضمير الوطن المريض كثيرا.. حد الاختفاء!
طحين أحمر
في 24 سبتمبر 1982، اقتحم مسلحون منزل عدنان حلواني وزوجته وداد، وسحباه الى المجهول. الى قعر بئر الفقدان المظلم حيث “يعيش” الى اليوم مع الآلاف ممن خطفوا مثله، من منازلهم وأحيائهم وأماكن عملهم. خرجوا ولم يعودوا.

لكن وداد حلواني، التي نادت على زوجها الشاب كثيرا آنذاك، عبر موجات الإذاعات المتشظية في بحر القنابل والرصاص، قررت أن تغادر لحظة الشلل، الذي تخلفه المفاجأة الفاجعة، الى لحظة الفعل، التي تسمى، في زمن الكوارث، نضالا.
كانت موقنة، بحدس المرأة الأم، أن رجلها، الوديع الذي ” كان نشاطه الأساسي تأمين الطحين للأفران وفتح أبواب الثانوية لتعليم الطلاب، لمنع استغلالهم في الحرب”، وإن لم يعد، الا أن الطبيعة قد هيأتها لدور أكبر يتجاوز الاهتمام بحكايتها الشخصية الى المساهمة بنقل مأساة آلاف الأمهات غيرها.

أسست في العام ذاته ” لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان” والتي كان لها الدور الرئيسي في الضغط لإقرار قانون (2018) ثم هيئة رسمية (2020) متعلقين. وهذه الأخيرة “لم تعط أدنى مقومات الفعل التي نص عليها القانون”، بحسب حلواني، التي شعّبت قوة القضية وزخّمتها بتأسيس والانتساب الى أطر حقوقية أخرى من بينها: الشبكة الدوليّة للضحايا والناجين من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، الجمعيّة اللبنانيّة لمراقبة ديمقراطيّة الإنتخابات، الفيدرالية الأورومتوسطية لعائلات المفقودين والمخفيين قسرياً، والشبكة الدولية لعائلات المفقودين. لم تؤل حلواني اي وسيلة من أجل مواجهة ذلك الصمت المتعمد، الذي بوزن جبل، ملقى على صدور الأمهات، يضغط عليهن، مولّدا ألما لا ينتهي، في طقس يعد من أقسى ضروب التعذيب للإنسان البريء، فاستحقت لقب “النملة التي حفرت في الصخر لعقود”، كما يشير عمل مسرحي حديث عرض مؤخرا في بيروت مستوحى من سيرتها النضالية.
سرديات فنية
مشروعات الصور الفوتوغرافية، تلك، اضافة الى السرديات السينمائية التوثيقية والتخيلية، في شرائط قصيرة وطويلة، ومنها ” المخطوفون” (1989)، “يوم آخر” (2005)، “ملاكي” (2010)، “شتي يا دني” (2011)، “ليالي بلا نوم” (2012)، “وينن” (2013)، اضافة الى “تدمر” (2016)، “طرس” (2018)، “مفقود”(2020)، “10476” (2021).. تخبز أرغفة من الحكايات للجائعين الى العدالة، من دون أن تبدو قادرة على الاشباع التام. فحتى يومنا هذا، وبحسب احصائية حديثة، لا يزال الوعي الشامل بهذه القضية الشائكة، غير مكتمل ولم يصنع محفزا هادرا(كما مع الكثير من جرائم العنف والاقتصاد التي يتعرض لها شعب البلاد) للقيام بمواجهة حقيقية مع قادة الاحزاب الحاليين في لبنان (ميليشيات الحرب السابقين) تضعهم في مساءلة جادة غير مشروطة عن مصير المغيّبين. ويصبح أثر “طحين” عدنان حلواني، والآلاف من رفاقه، على أكف المسؤولين، وقد استحال لونه من الابيض الى الاحمر، دلالة على أثر جريمة لم يجف او يتقادم بمرور الزمن، وتبقى قبور الاحبة معلقة تنتظر معلومات تحفر على الشاهد، كما تظل حياة الأمهات والأهالي منقوصة ومجتزأة في سيرة الايام، كجملة عصية على الاكتمال.

يحدث ذلك كله و”فرن” العذاب مشتعل بوقود حطب استقدم من القعور العميقة لأودية عدة: النضال، الحداد، الذكورة، الجرائم الأسدية السورية، الاستعمار، الجدة، الأم، الزوجة. ومعه تشتعل حماسة وأفكار مبدعي الفن.
