“شكرًا لأنك تحلم معنا”: تحدي التواطؤ

علا الشيخ- سينما غازيت

في السينما الفلسطينية، لا يكون الحلم ترفًا، بل ضرورة.

الناقدة علا الشيخ تكتب عن شقاء فلسطيني صغير

الحلم في الافلام عن فلسطين ليس فقط موقفا في مواجهة الاحتلال كجدار ثابت أمام الحياة، بل هو في منازلة ما تراكم من تواطؤ اجتماعي صامت، لا يقل في شدته عن التقييد السياسي.

وهكذا، تختار المخرجة الفلسطينية ليلى عباس في فيلمها الروائي الطويل الأول «شكرًا لأنك تحلم معنا» أن تفتح جرحًا غير نازف، لكنه مزمن؛ جرحًا اسمه الميراث، لا بوصفه مالًا، بل كرمز لصراع طويل بين النساء والمجتمع، بين الصمت والكشف، بين ما يُقال وما يُكتم تحت بند “مش وقته”.

شكرا لأنك تحلم معنا
لا تتقدّم المرأة كمجرد شاهدة على التغيير، بل كقوّة دافعة له

أن تحلم كامرأة فلسطينية هو فعل مقاومة ناعم لا يُروى…

وفي هذا الفيلم، لا تتقدّم المرأة كمجرد شاهدة على التغيير، بل كقوّة دافعة له، حتى وإن كان بصمت أو بتواطؤ مؤقت مع ما يجرّها للأسفل.

خيوط حادة

تنسج عباس حكايتها من خيوط مألوفة لكنها حادّة، تقودنا خلالها عبر شخصيتين محوريتين: مريم (كلارا خوري)، زوجة أسير سابق وأم لولدين تعيش ما يشبه الاستقرار الهش، ونورا (ياسمين المصري)، خبيرة التجميل التي تخفي هشاشتها خلف الماكياج، لا على وجوه النساء فحسب، بل على تفاصيل حياتها الخاصة أيضًا. بعد وفاة والدهما، تتورطان في فعل صغير… لكنه كاشف: إخفاء الخبر حتى سحب المال المتروك لهن في البنك، متجاوزتين ما قد يُفهم قانونًا كـ”حق” لشقيقهما الأصغر، ولكنّه في الحقيقة بوابة لتعرية كل ما كُبت.

عباس لا تقدم هذا الحدث كفعل آني، بل كبداية لانزلاق نفسي وأخلاقي تتشظى معه العلاقات، وتنكشف الندوب المخفية تحت جلد العائلة.

بصريات المكان وحميمية الانهيار

ما يميز الفيلم ليس فقط شجاعته في اقتحام منطقة رمادية، بل كيف يفعل ذلك. الكاميرا في يد عباس ليست عينًا مراقبة بل رئة تتنفس مع الشخصيات. في المشاهد الأولى، تغمرنا الألوان الدافئة: برتقالي، بني، ضوء شمس مائل، كما لو أن رام الله تحاول أن تبدو آمنة، لكن شيئًا فشيئًا، ومع تصاعد التوتر، تنسحب هذه الألوان لصالح درجات الرمادي والأزرق البارد. لا يعود المكان فقط خلفية للأحداث، بل مرآة دقيقة لمزاج الشخصيات وتحولاتها.

الكاميرا في يد عباس لا تسجّل، بل تشهد.

وهذه الشهادة البصرية ليست محايدة، بل منحازة للتفاصيل الصغيرة: لوجه امرأة تنهار دون ضجيج، لحركة يد تُخفي ورقة، لخطى مترددة

بين بيت العائلة وبنك الميراث.

تتنقل الكاميرا بين البيوت الضيقة، الممرات، المقاهي، وحتى المشاهد الليلية التي يُعاد فيها تشكيل المدينة ككابوسٍ داخلي. رام الله في الفيلم ليست فقط مدينة تعيش على إيقاع الاحتلال، بل مدينة تحاول أن تقنع نفسها بأنها بخير، بينما تنخرها هشاشة العلاقات وتاريخ غير مُعالج.

نساء في الهامش لكنهن المركز

من خلال مريم ونورا، ترسم ليلى عباس ملامح نساء لا يقدّمن أنفسهن بوصفهن ضحايا، بل شريكات في القرار، وإن كان قرارًا خاطئًا. ولا يعود الأمر إلى الميراث فحسب، بل إلى أدوار النساء في مجتمع لا يزال يضعهن في خانة “الانتظار”: انتظار الزوج ليخرج من الأسر، انتظار الولد لينضج، انتظار المجتمع ليرى فيهن شريكًا، لا تابعًا.

في شخصية مريم، تبرز التناقضات كلها: امرأة تمارس الأمومة برتابة، لكنها تخشى أن تَورث أبناءها الألم ذاته، وعلاقة مهزوزة مع زوجها، الأسير السابق (أشرف برهوم)، الذي عاد من الأسر بجسد حرّ لكن بروح غريبة. هو لا يشارك، لا يقترب، ولا يبرر انزلاقه العاطفي نحو شابة أصغر، وكأن الفقد لا يُشفى.

أما نورا، فهي الوجه الذي يقاوم الانطفاء بألوان المكياج، لكنها كلما زادت ألوانها، ازداد وضوح الفراغ داخلها.

بينهما تنشأ علاقة أخوية متوترة، لا بفعل الحدث، بل بفعل ما سبق: قسوة الماضي، وخوف من المستقبل.

هذا الفيلم ليس عن الميراث فقط، بل عن ما نرثه دون أن نطلبه: الخوف، الصمت، الذنب، والخذلان.

الصمت ليس حيادً بل إنه موقف

تدسّ عباس شخصية الشاب، ابن مريم، في هامش الأحداث، لكنه ليس حضورًا عابرًا. فالشاب الذي تراه أمه مهملاً، يتسلل ليلاً لإشعال إطارات السيارات في وجه جنود الاحتلال، لا حبًا في العنف، بل ليقول “أنا هنا”. هذا المشهد لا يُقدَّم كفعل بطولي، ولا كجزء من خطاب مقاومة مباشر، بل كصوت جانبي يعلو في الخلفية، يذكّرنا بأن القضية الوطنية لا تلغي قضايا الأفراد، لكنها تتقاطع معها على نحو موجع.

فعندما يخونك القانون، وتخذلك الأسرة، لا يبقى لك سوى الحلم… حتى لو كان مؤجلاً.

وحتى الموسيقى التصويرية، التي تبدو في البداية ناعمة ومنسابة، تتغيّر إيقاعاتها كلما ازداد التوتر، فتتحول من نغمة مصالحة إلى لحن مهدد، لا يعلو كثيرًا، لكنه يقطّع الإيقاع الداخلي.

“شكرًا لأنك تحلم معنا”: عنوان له ثقل الشهادة!

هذا العنوان الذي يبدو في ظاهره شكرًا لطيفًا، هو في جوهره صرخة صامتة.

أن تحلم في فلسطين، كامرأة، كأم، كأخت، كإبنة، هو فعل مقاومة. أن تحلم بأن لك حقًا، وأن تعبر عنه، هو اشتباك مباشر مع التابوهات، لا يُشهر سلاحًا، لكنه يترك جرحًا عميقًا.

ليلى عباس لا تصرخ، بل تهمس، والهمس في فيلمها أعلى من كل الشعارات.

ليلى عباس في فيلمها هذا لا تروي قصة نساء فقط، بل ترسم خريطة شقاء فلسطيني صغير، لا يُروى في نشرات الأخبار، لكنه يعيش في تفاصيل يومية: في ورقة بنك، في سرّ عائلي، في غرفة نوم باردة.

في كل بيت فلسطيني حكاية لم تُق، وليلى عباس اختارت أن تروي واحدة منها بهدوء موجع.

هذا الفيلم، بمشاهده الدقيقة، ونسائه المتأرجحات بين الشجاعة والضعف، هو أكثر من وثيقة سينمائية عن ثقل أن تكون امرأة في سياق فلسطيني. إنه تأريخ هادئ لانهيارات صغيرة لا تصنعها الحروب فقط، بل يصنعها القانون حين يغضّ النظر، والأسرة حين تتواطأ، والذاكرة حين تختار ما تتجاهله. في «شكرًا لأنك تحلم معنا»، لا نخرج ببطلات يُصفّق لهن، بل بنساء يواصلن السير، رغم الخسارات، رغم الشك، رغم المجتمع. نساء يخطئن ويفكرن ويحببن ويُخدعن. نساء حقيقيات.

ولأن الحلم في فلسطين لا يُمنح، بل يُنتزع – فكل من يحلم هناك، يستحق أن يُشكر.

لا لأن الحلم يتحقق، بل لأنه ما زال ممكنًا.

أضف تعليق